المرأة

في جيوش الدول عندما يصاب أحد الجنود ينُظر إليه وكأنه شخصٌ ناقص

هكذا حدثتنا جيندا نوال عن تجربتها في حياة كجريحة حرب

كُنا في قرية عَلْبلور المقصد الأول للقائد عندما خرج من شمال كُردستان. بالتحديد على سطح مدرسة القرية، قام العدو بالهجوم علينا من قرية مناز التي كانوا قد تحصنوا فيها قبل حين أطلقوا علينا النار برشاشاتهم الثقيلة بالتحديد رشاش دوشكا، حينها أصبت بيدي بإحدى رصاصات ذاك الرشاش. في جيوش الدول عندما يصاب أحد الجنود ينُظر إليه وكأنه شخصٌ ناقص، أو أنه لم يعد يستطيع القيام بأي عمل. لكننا نحن في حركة التحرير الكردستانية وروجافا لا نجد مثل هكذا أفكار، بل على العكس القيمة التي تمنح لجرحى الحرب هي من أعلى القيم مرتبة من حيث المعنويات. والقائد بنفسه يقول عن جرحى الحرب بأنهم قيم الحركة وهم الأعلى مرتبة بعد الشهداء، بل يَنعتهم بالشهداء الأحياء. على أرض الواقع أيضاً نلاحظ أن الرفاق الأكثر نشاطاً والأكثر تأثيراً هم الرفاق الجرحى، ويجب أن يكون على هذه الشاكلة لأن الجرحى هم المسؤولون الأوائل عن هذه الثورة، لأنهم هم من فدوا الثورة بدمائهم وجزء أو أجزاء من جسدهم. وهذا شيءٌ بديهي لأنهم هم أصحاب الكدح، وهم من يمثلون فلسفة القائد والثورة.

في بداية إصابتي، وبالخصوص أن جراحي كانت في يديّ الاثنتين تأثرت بها، وظننتُ في قرارة نفسي أني لن أتمكن من حمل السلاح مرةً أخرى. التخيلات الأولى كانت على هذه الشاكلة. لذا قلت للأطباء لا بأس أن يقطعوا لي يداً، لكن يجب أن ينقذوا الأخرى لكي أستطيع حمل السلاح مرة أخرى. لكن في النهاية تحسنت يداي الاثنتان. كان جزء من تفكيري هكذا. أيضاً كنت دائماً ما أفكر في الرفاق الذين بقوا خلفي في كوباني، كنت مشغولة البال، كنت أتساءل يا تُرى من بقي من الرفاق، من استشهد منهم، من جُرح. باقي الرفاق أيضاً كانوا يفكروا بهذه الطريقة، وأحياناً نناقش هذه المواضيع. أي أن عقولنا وقلوبنا بقيت في كوباني. مقاومة الرفاق وانتصارهم في كوباني كان مصدر القوة لنا. رُبما لم نكن موجودين حتى نهاية الحرب في كوباني، أو أننا لم نستطع ان نكون بجانب رفاقنا حتى النهاية. لكن مقاومة الرفاق كان سبب المعنويات العالية والقوة بالنسبة لنا. تلك المقاومة زادت من عزيمة النضال لدينا، لأنه كان العديد من رفاقنا الذين كنا نعرفهم، قاوموا حتى وصلوا مرتبة الشهادة.

لذا كان من الواجب علينا أن نسير على درب هؤلاء الشهداء بعد أن يتحسن حالنا. بمعنى آخر أني شعرت بأن حياة الثورة هي حياتي. بالأخص بعد أن بذلت دمائي وهديت جزء من جسدي للثورة، واستشهاد العديد من رفاق دربي. حِس المسؤولية اتجاه فلسفة القائد وحس الثورة ازداد تعمقاً بداخلي. أيضاً كان للثورة، روجافا، وحدات حماية الشعب ووحدات حماية المرأة تأثيرٌ بالغ في نفسي. أي أنني قررت بأن أهتم بحياة الثورية بشكل أفضل. مرحلة الإصابة كانت بالنسبة لنا مختلفة قليلاً عن باقي مراحل حياتنا. بالأخص بالنسبة لشخصيتنا، بالأخص كامرأة ثورية، من ناحية امتلاك الثقة بأنفسنا وتنظيم أنفسنا، والأمر الآخر حب الحياة، حب المقاومة ازداد عمقاً بداخلي. كان جرحي بالنسبة لي سبباً للكفاح. طبعاً هذا الشيء ينمي حس الوطنية بداخل الإنسان ويعمق حب الأرض في داخلنا، يزداد ارتباطنا بالسلاح، حب الرفاق يزداد من تلقاء نفسه. أستطيع ان أقول ان حالة الإصابة بالحرب تهيئ أرضية كهذه. مثلاً بين الرفاق الجرحى هناك حس المسؤولية نامي أكثر من الرفاق الآخرين، أو نستطيع القول إنهم يفهمون بعضهم بعض أفضل من أي شخص آخر، حس المسؤولية أمام الرفاق أعمق أكثر من ذي قبل.  لأننا جميعاً نعيش الأوضاع نفسها والاحاسيس نفسها، أي باستطاعتي القول بأن للإصابة في الحرب ميزات كثيرة، مثلاً أستطيع القول بأن حبي لأهالي روجافا ازداد بعد جراحي هذه، بالأخص لأن الشعب ينظر إلينا نظرة أننا المضحين لأجلهم، وفي أنفسنا أيضاً يصبح لدينا حس بأننا ضحينا لأجل هذا الشعب، بذلنا دمائنا رخيصة فداءً لهذا الوطن، وهذا ليس بالكثير. أي أنه يصبح هنالك حب من ناحية الشعب لنا. ونحن نزداد تعلقاً بقضيتنا. أي أني باختصار أسنطيع أن أقول ان هذه الأحاسيس تُراودنا بعد الإصابة في الحرب.

الآن نحن في أكاديمية الشهيد رزكار وان لتدريب الرفاق الجرحى. الرفاق هنا جميعهم ذووا إصابات بالغة، كل منهم فاقد أحد أعضاء جسمه. أغلب الرفاق مصابون برأسهم، أي أن بعض الرفاق مصابون بالشلل، البعض منهم لا يستطيع أن يحرك يده أو رجله. حب الرفاق في الأكاديمية لبعضهم البعض شديد، بالأخص من ناحية مساندة ومساعدة بعضهم البعض. في الأكاديمية هناك حياة كومينالية (اشتراكية) أي أن الأنانية التي زرعتها الأنظمة الرأسمالية في الناس، لا وجود لها بين الجرحى وخاصةً في الأكاديمية. مثلاً هنالك رفيق لا يستطيع أن يملأ أكواب الشاي، لكنه يستطيع حملها، وهناك رفيق يستطيع ملئ الأكواب، فيملأ الأكواب أما الآخر يقوم بحملها. أو هناك رفيق يستطيع ان ينظف مكان ما لكنه لا يستطيع حمل الأشياء الثقيلة، فهو يقوم بالعمل الذي يستطيع القيام به ويقوم آخر بالقيام بالأعمال الأُخرى. ومهامنا كانت واضحة وهي شكلت بشكل طبيعي، لأن الرفاق يعملون حسب طاقاتهم وحسب قدراتهم الحركية. أي ان الكل يعلم ما عليه القيام به. على سبيل المثال بعد الاستيقاظ صباحاً يقوم كل رفيق بما عليه، ونتعاون على جميع الأعمال من تنظيف أرضية الأكاديمية إلى إعداد الفطور وغسيل الأطباق، أي ان حياة جماعية طبيعية تظهر للعيان. يمكنني القول بأن هذه الروح الجماعية في الأكاديمية تنتج معها معنويات عالية. أو نستطيع القول بأنها تزيد من الرغبة في المشاركة. يمكننا تقييم حياة الأكاديمية بهذه الكلمات. أي كثوار يكون الهدف هو حياة كومينالية دون التفكير في النفس، بل التفكير بالمجتمع الذي يحيط بك. أستطيع القول بأن هذه الحياة ببساطة موجودة في الأكاديمية.

أحياناً هناك ر فيق على كرسيه مقعد، لا يستطيع المشي، يقوم رفيقان إن لم يستطع واحد من الرفاق أن يدفع كرسه. تنتج هذه المشاهد إلى إظهار الروح الرِفاقية إلى الساحة الحياتية. أو أن أحد الرفاق كانت معنوياته منخفضة بعض الشيء، يجتمع جميع الرفاق حوله ليعلموا لمَ الرفيق منزعج، لم معنوياته ليست على ما يُرام، أو أن رفيقاً يتألم من جراحه، أيضاً يجتمع الرفاق حول هذا الرفيق ويقوموا بالمطلوب. هذه الأشياء تعزز من حِس الرِفاقية والمسؤولية لدى الرفاق وفي ذات الوقت تزيد من القوة الموجودة. في الجيوش الأخرى أو في جيوش الدول، ينظر إلى الجرحى على أنهم ناقصون وأنهم لا يستطيعون فعل شيء، هذا الحب وهذه الحيالة الاجتماعية تُزيل هذه النظرة من المشهد. وبشكل طبيعي عندما تكون الحياة على هذه الشاكلة. يكون تفكير الرفاق عما يستطيعون فعله بعد الدورة التدريبية، وأنه من المطلوب الانضمام بشكل أفضل وأن يحموا القيم التي خلَّفها الشهداء والقائد لنا. جميع الرفاق يفكرون على هذا الأساس.

اترك تعليقاً

إغلاق
إغلاق