البحوثالأمة الديمقراطية

الإنسان هو من يخط خطوط التاريخ

كثير من الناس من يعرف الحضارة على أنها التقدم والتطور، بل ينسبون كل ما أنتجته الإنسانية إلى الحضارة ولولا الحضارة لكان البشر الآن وجهلة وحوش، أي أنهم يقومون بتقديس الحضارة ويعتبرونها الحجر الأساس للتقدم والإنسانية. لكن هل بالفعل الحضارة هي كما يرسمها المستفيدون (الطبقات البرجوازية سابقاً والرأسمالية الآن)؟ للإجابة على هذا السؤال لننظر إلى بداية نشوء الحضارة أو النتائج التي رافقت بداية الحضارة. الحضارة كانت السبب في قيام الدولة أولاً والمدن ثانياً والطبقية ثالثاً وهذه العوامل الثلاثة أدت الى ظهور السلطة. أي أن تعريف الحضارة على أنها جلبت معها التقدم والعلوم والفلسفة والتقنية تعريف مغلوط، بل أودت بالإنسان إلى نقطة خرج فيها عن الإنسانية. ليستطيع الإنسان أن يعرف الأنظمة التي مرت على مر الزمن يجب أولاً أن يضع تعريفاً صحيحاً للتاريخ، إن لم نفهم التاريخ جيداً لن نفهم ما هي الحضارة، لن نعرف ما حدث قبل الحضارة وما حصل مع مر الزمن ولن نستطيع أن نفهم ما يدور في ذهن الإنسان، لن ندرك أن الأمور التي يمر بها الانسان إن كانت أمور طبيعية أو أنها بفعل فاعل، لن نعرف أن الذهنية الحالية للإنسان أهيَ هكذا منذ البداية أم أنها نتيجة لبعض التغييرات عبر مر الزمن، لفهم هذه الأمور يجب أن نضع التعريف الصحيح للتاريخ نُصبَ أعيننا. بعض الناس المستفيدون من الطبقات الحاكمة في يومنا هذا وضعوا تعريفاً للتاريخ تحت تأثير النظام المهيمن، لمراعاة مصالحهم الشخصية وليس لمراعاة مصالح الشعوب، بعض هذه التعارف تعود الى تاريخ إنهاء المجتمعات وبعضها الآخر تعاريف قدرية. الناس الذين يرون في أنفسهم الحكمة والعلم يعّرِفون التاريخ على هذا النحو. كل ذلك لتشويه وتضليل حقيقة المجتمعات. يعرفون التاريخ على أنه خط مستقيم يتجه دائماً إلى الأمام ولا يتجه إلى الوراء ولا يمكن لأحد أن يغير من اتجاهه ولو بمقدار قليل أو أن يقف أحد بطريقه، أي أنه إذما وجدنا الحضارة المركزية قد أنشئت والطبقات موجودة الآن ووضع المجتمعات على هذا الحال فهذا قدر ولن يستطع أحد أن يقف بوجه هذا القدر، وأقنعوا المجتمعات بهذا الشيء. يقولون الدولة موجودة لأنه من المفروض أنها موجودة، الدين موجود المفروض بأنه موجود، سرجون ونمرود وفرعون قد ظهروا من المفروض أنهم قد ظهروا، النظام الرأسمالي موجود لأنه من المفروض أن يكون موجود. رسموا خط التاريخ على أنه في البداية كان مشاعي بدائي لكن المجتمعات لم تستطع أن تستمر على هذا الحال ولم يستطيعوا العيش على هذا الأساس، حينها كان النظام العبودي البديل الوحيد، ولم يكن هناك خيار آخر إلا التحول إلى النظام العبودي. ثم بشكل مجبر أتى النظام الإقطاعي ليس بالمقدور التحول إلى نظام اشتراكي أو شيوعي، أيضاً لم يكن هناك خيار سِوى هذا التحول، بعدها كان الدور للنظام الرأسمالي بذات الحجج الواهية. أما الرأسماليون الآن يقولون إن هذا النظام هو النظام الأخير ولا يوجد نظام أو أي شكل آخر للسلطة. هذا التعريف كان هدفه خداع الناس كي لا يقوموا بالثورات ولا يطالبوا بأي حق من حقوقهم. حتى أن الاشتراكيين أمثال كارل ماركس وفلاديمير لينين وقعوا في فخ الرأسماليين وتبنوا نظريتهم التي تقول بأن التاريخ ماضٍ على خطٍ مستقيم وأن بعد النظام الرأسمالي سيكون النظام الاشتراكي قادم لا محالة ومن بعده النظام الشيوعي. أي أنهما جًرّا الماء إلى طاحونة الرأسمالية، أي أن ماركس ولينين أكدوا بأن لا دور للإنسان في تغيير الأنظمة أو في مجرة التاريخ، من ثم تبعهم العديد من الأحزاب والشخصيات الاشتراكية والأنارشية بالرأي وكأنهم يقولون لا داعي للثورات، النظام الرأسمالي سيهدم من ثم الاشتراكية قادمة من تلقاء نفسها لا محالة، لا يفعلون شيء فقط يقومون بكتابة بعض الكتب ولا شيء آخر، مع أنهم يذكرون بعض النقاط الجيدة لكن الاكتفاء ببعض الكتب فقط لا يحدث التغيير. مع أن الاشتراكية شيدت في فرنسا وروسيا حتى في بعض الدول تم إنشاء الشيوعية كالصين وفيتنام والعديد من الدول في العالم، لكن في النهاية كل هذه الحركات والدول خدمت الرأسمالية لأنهم كانوا مقتنعين بأن الاشتراكية قادمة من تلقاء نفسها بعد أن تهدم الرأسمالية من تلقاء نفسها، أي انهم خدعوا أنفسهم وبهذا الأسلوب منحوا الشريعة للرأسمالية باتباعهم المنطق الذي يقول باستقامة خط التاريخ باتجاه واحد وبفكرة أن الرأسمالية شيء مطلق ومن الطبيعي انها الآن مهيمنة أي انها قدر الإنسانية في الوقت الراهن. وعلى هذا الأساس منحوا الشرعية لكل الحضارات والأنظمة التي أتت بعد المجتمع الطبيعي، وأن الاشتراكية لم يحن أوانها. كما في الأديان يقولون أخدموا الله كي تدخلوا الجنة الموعودة، ذات الشيء طبقوه على الرأسمالية (اخدم الرأسمالية كي تصل إلى الاشتراكية) كل هؤلاء العلماء والفلاسفة والمثقفين أصحاب نظريات المطلقة وأصحاب آراء قدرية.

أما القائد عبد الله أوجلان يقول بأن التاريخ يرسم من قبل الأكثر نضالاً في زمن الكاوس kaos (الأزمات – الفراغ). لنوضح المسألة أكثر ولنأخذ الأزمة السورية على سبيل المثال لأن سورية تعيش الآن حالة كاوس أو فراغ، هناك العديد من القوى والأفكار الديكتاتوري والاشتراكي والديمقراطي والإسلام الراديكالي والإسلام المعتدل والعديد من الدول والقوى العالمية، وكلهم يناضل لكسب هذه الفرصة في الإدارة ونشر فكرتهم. ليس المهم هو القوة فقط بل الفكرة أيضاً، فلننظر إلى تنظيم داعش كان يملك من القوة ما يكفي لفتح أي مكان يقومون بالهجوم عليهم وسيطروا على مساحة ما يقارب الدولتين من سوريا والعراق، لكن الفكرة التي جاءوا بها لم تكن صحيحة ولم تلائم المجتمع في المنطقة. أي أن القائد عبد الله أوجلان يقول في المجتمع الطبيعي لو لم ينتصر الشامان على المرأة التي كانت تدير المجتمع لما كانت الحضارة أو النظام العبودي ولا الاقطاعية ولا الحضارة الرأسمالية قد ظهر من الأساس ولما كان أحد يعيش تحت ظل هذه الحضارات، بل كانت الاشتراكية والشيوعية هي شكل النظام السائد. القائد أوجلان يقول بأن< التاريخ ليس خط مستقيم ولا هو دائماً يسير إلى الأمام، من الممكن يتوقف التاريخ بمكانه ولا هو دائمة يسير للأمام ومن المحتمل أن يعود إلى الوراء>، هناك مقولة مأثورة تقول بأن التاريخ يعيد نفسه هذه المقولة أيضاً تفيد بأن التاريخ ليس بالخط المستقيم. بعد المجتمع الطبيعي التاريخ يسير كالنهر ليس دائماً باتجاه واحد بل انه يُعوَج في بعض الأحيان ويسير باتجاه الآخر أحياناً، لكن التاريخ بعد أن ظهرت الحضارة تحول هذا النهر على فرعين أحدهما يمثل الحضارة المركزية والآخر يمثل المجتمع الطبيعي (الحضارة الديمقراطية) أي ان التاريخ يتحول إلى قسمين كل منهم يجري بمجرى مختلف عن الآخر. وكل من هذين القسمين قد يتفرع منهم أحياناً فروع وتذهب إلى القسم الآخر كما الأنارشيين وحماة الطبيعة والفامينيين (الحركات النسائية) كل هذه الحركات تخرج عن النظام الرأسمالي منهم من يدخل إلى نهر الحضارة الديمقراطية وقد يبقوا مستقلين في جريانهم وتضمحل لوحدها بعيداً عن هذين النهرين. أي أنه لا يوجد شيء ثابت في التاريخ. وأن الإنسان هو من يخط خطوط التاريخ

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

إغلاق
إغلاق